ومن أطرف ما حدّثني به أنّه بعدما خلّصه الله من الطريقة التيجانية المنتشرة في الشمال الإفريقي، وفي كثير من الدول الإفريقية، مع شجاعته وقوّته في الحق، أن هذه الطريقة قد تخلّص منها رجال أفاضل، كان لهم دور علمي كبير، وقد وصل مهاجرون إلى المملكة، فيهم علماء جاؤوا إلى المملكة كالشيخ عبدالرحمن الإفريقي - رحمه الله – الذي كان سنغالياً وضابطاً في الجيش الفرنسي، وبعد وصوله إلى المملكة كان مدرساً في معهد الرياض العلمي، وقد توفي بالمملكة رحمه الله بالمدينة، وقد ألّف في التحذير من التيجانية وعيوبها.

والشيخ محمد أمين الشنقيطي، صاحب التفسير المشهور، وكان قاضياًَ في بلاده شنقيط، أيام الاستعمار، جاء إلى المملكة ودرس في معهد الرياض العلمي، وكلية الشريعة، ولما فُتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة طلبه الشيخ ابن باز للعمل في الجامعة والاستفادة من بحره العلمي الزاخر، مع التدريس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مات بالمدينة رحمه الله.

والشيخ الهلالي قد أُوذي في الله بعدما ترك التيجانية، وهي فرقة صوفية، وكان يحذر الناس منها، فنقموا عليه، وآذوه كثيراً، فقرّر الهروب بدينه، ثم بعد ذلك ألّف كتاباً، بيّن فيه بطلان هذه الطريقة، فكان لكتابه أثر بليغ في كثير من المتعلّقين بهذه الطريقة، وأورادها وأدعيتها.. وكنت أستمع إلى حديثه وأرصده في الذاكرة وبعضه في الورق.

فقرّر الهرب بدينه، والهجرة مع ضعف ذات اليد، وبعزيمة قويّة وصبر وتحمل أخذ طريقه متنقلا في الشمال الإفريقي، وعانى ما الله به عليم، حتى أنه يقطع الطريق أحياناً ماشياً على قدميه، حتى وصل مصر، فصار يسأل عن أهل السنة والجماعة، وعلى طريقة السلف الصالح المطبقين لها.

فأُخْبر عنهم، ولكنهم يختفون بدينهم، وإذا ذُكر له شخص في إحدى القرى ذهب إليه، ولم يعجبه ما يطلبه منه بالمبايعة على أنه إمام، فقال كيف تتكاثر الأئمة وفي الإسلام الإمام واحد، وهذا منهج الصوفية، وأنا هارب منها.

وأخيراً قيل له عن شخص في الإسكندرية، وأنه عالم وسلفي، فعزم على الذهاب إليه، لعلّه يجد بغيته؛ ليأخذ منه، ويتبعه على منهجه، وفي الطريق أدركته صلاة الظهر، في مسجد إحدى القرى، ورأى فيه قبراً، قال لي: وبعد الصلاة رأيت المصلين يتمسحون بالقبر، ويطلبون من صاحبه المدد وقضاء حوائجهم، ولم يعجبني هذا.

فقام يحدثهم ويدعوهم إلى حقيقة التوحيد، وكان فيه حِدَّة، فصار ينكر عليهم بشدة، فقاموا إليه تقريعاً وضرباً، حتى أُغمي عليه، فتركوه وخرجوا من مسجدهم إلا واحداً، لما رآهم قد انفضوا قام إليه ومعه ماء، ورشه به حتى أفاق. يقول: وكان وجهي متورماً من الضرب، وكنت لا أستطيع الرؤية من ذلك.

وقد أُنهِكَ جِسْمي من شِدة ما أصابني.. فأخذ بيدي - أحْسَنَ الله إليه كما أحْسَن إليّ - إلى بيته في هذه القرية، وصار يعتني بي، ويمرِّضُني حتى اشتدّ عودي.

فسألني اسمي وبلدي، ومهمتي وماذا أريد، وإلى أين ذهابي؟!.. فأخبرته بذلك، وأنني كنت صوفياً تيجانياً، فهداني الله إلى الطريق، وأنا أبحث عن السلفيين لأستفيد منهم وأعيش بينهم.

وأخبرته عن اسمي وبلادي، وأنني ذاهب إلى فلان في الإسكندرية، حيث قيل لي إنه سلفي العقيدة ومن أنصار السنة، فقال لي بعدما عرف أحوالي كلها ووجهتي: أنْتَ أخطأت؛ فكيف تتكلم عند هؤلاء الجهّال وأنت غريب، ولا تأوى إلى من ينصرك، فأنْتَ مُلْقٍ بنفسِكَ إلى المخاطر. والمشكلة - كما قلتَ - إن السلفيين يفرض بعضهم على الناس مبايعته بالإمامة، وعلى هذا تتعدد الإمارات، وهذا يعين على الفُرقة والتعصب، وهذا لن يعجبك لأنك تريد الرجوع بالناس إلى طريقة أسلافنا في القرون الثلاثة المفضلة وراء ولي أمر واحد، فارتحت إليه، واستفدت منه مدة مُكثي عنده ما يزيد عن الشهر.

وطوال المدة وأنا مع هذا الرجل، فأعجبني فهمه، وقلت أريد صُحبتك، فقال: أنصحُك بأنْ تُهاجر إلى بلاد الحرمين الشريفين فقد تولى أمر البلاد، في جزيرة العرب، الملك عبدالعزيز بن سعود، وهو سلفي وسيحقق الله على يديه الخير إنْ شاء الله, ولن تجد إلا ما يسرّك.

فأخذت بنصيحته، وعدلت عن السفر إلى الإسكندرية، وجئت إلى مكة، وقابلت الملك عبدالعزيز وبعد أن عرف حالي ممن شَرحها له، وماذا أقصد، أمرني بحضور الدروس في الحرم، وأمر لي بإعانة باعتباري غريباً. ثم كنت أحضر مجالسه، كلما أتيح لي، وكلّما جاء إلى مكة.

ويبدو أنه عرف حالي، من المدرسين في الحرم، فَعَرضَ علي الإمامة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلت بشرط أن أقول سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم عشر مرات، فقيل لي هذا فيه تشديد على الناس، وفتنة، ولكن قلها مرة، واحدة، وهو الركن، أو ثلاثاً ولا تزد. ولما أصررت على رأيي، قال الملك - رحمه الله - بنظرته البعيدة، سيقول الناس: ابن سعود جاء بدين جديد، لكنْ عليك أن تجلس عند المشايخ، وتحضر دروس الحرم لتزداد علماً.

يقول فجلست في مكة فترة من الزمن، ثم جاءت فكرة الدراسة عند علماء الحديث بالهند، فأرسلني الملك عبدالعزيز، مع غيري، برسائل لوكلائه في البصرة والبحرين؛ لتسهيل أمورنا إلى الهند سفراً ودراسة لدى علماء أهل الحديث، كما هي عادته، واستقمت في الهند فترة من الزمن، ثم عُدْتُ إلى البحرين فالعراق.

وعندما قامت الحرب العالمية كان في ألمانيا مشرف على البرامج العربية بإذاعة برلين، وقال لي إنه كان يتقن خمس لغات هي: الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإسبانية، والعبرية، بالإضافة إلى العربية.

وقد انتظم مع المجاهدين ضد الاستعمار، وله دور كبير في هذا، ضد فرنسا وبريطانيا وإسبانيا؛ لتحرير بلاده، ولما سألت الذي كان معنا في مجلسه، وهو شيخ كبير؛ لأن بيته في النهار ممتلئ بهم لمكانته، عن دوره؟ قال: لقد حكمتْ عليه كلّ واحدة من تلك الجهات بالإعدام، وهذا مما مكن دوره لدى حكام المغرب بعد الاستقلال.

وقد تزوج في المملكة بالمدينة المنورة، وله ابنتان، عَمِلْتا في المملكة أوّل ما فُتِحتْ مدارس البنات، وتزوّج في العراق وله أولاد هناك، وأذكر أيام حرب الخليج الأولى أنه اتصل ابنه بالشيخ ابن باز من مخيم اللاجئين برفحا، فاهتم به سماحته، وطلب من المسؤولين حضوره مع أولاده إلى الرياض، وهيأ لهم بيتا بما يلزمه حتى انحلتْ الغمّة، وكان كبير السنّ، لحيته وشعره أبيضان، وأكرمه سماحته حتى عاد إلى العراق باختياره، وحدثني عن ذكرياته مع المذيع يونس بحري، وفي المغرب بعدما استقر فيه لم يكن عنده من أولاه أو بناته أحد، ولم يذكر لي أنه جاءه مع زوجته الأخيرة هذه ذرية، ولكنها اهتمت به عناية وخِدْمة، وقامتْ مع ابنها به خير قيام.

ومن هنا فإنّه قد استفتى سماحة الشيخ هلْ يحق له في وصيته أن يجعل بيته في المغرب لها، فلم يوافقه سماحته، ولكن قال: ابحثوا لها عن بيت ونساعدكم في القيمة. ومن شاء تفاصيل أكثر فليراجع ما كُتب عنه، لكني آثرت ما لم يكتب عنه.