لما كان اسم هذه المجلة "دعوة الحق" وكانت هذه الجملة من أبلغ كتاب الله جل وعلا، وكله بليغ، أحببنا أن نجعلها بداية لهذا المقال، ونجتهد أن نبين حاجة الناس إلى دعوة الحق، بعد أن نبين ما هي دعوة الحق.

دعوة الحق هي توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته:
أما توحيد الربوبية، فهو كما قال بعض العلماء الحكماء: أن توحد الله بأفعاله، بأن تعتقد أنه هو الخالق وغيره لا يخلق شيئا، وهو الرازق وغيره لا يرزق شيئا، وهو المدبر وغيره ليس له من الأمر شيء، وهذا واضح في قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}[يونس: 31-32].

الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يحاج المشركين الذين كانوا يأكلون خيره ويعبدون غيره، فاحتج عليهم بما يقرون به، وذكر خمسة أمور: رزق جميع المخلوقين، وامتلاك السمع والبصر أي وسائل القوى التي منحها الله الإنسان، وإخراج الحي من الميت، وعكسه، وتدبير جميع الأمور.

وأخبر سبحانه أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معترفين بأن الله هو الذي يفعل ذلك وحده، فلم يدخلهم ذلك في الإسلام، لقوله: قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، أي إذا كنتم معترفين بأن الله هو الذي يخلق، ويرزق ويملك ويدبر جميع أموركم وأمور غيركم، فلماذا لا تتركون الشرك به؟ ولماذا تلجأون إلى غيره في قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟

إذن، فقول بعض المتكلمين في شرح معنى لا إله إلا الله "لا مستغنى عن كل ما سواه ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله" هو شرح غير صحيح، لأن المشركين يعترفون بذلك ولم يدخلهم ذلك في الإسلام.

والصواب أن معنى لا إله إلا الله، أن العبد يقر ويعترف أنه لا يعبد إلا الله، لأن الإله معناه المعبود. فقوله لا إله إلا الله، إقرار والتزام أنه لا يصرف شيئا من عبادته لا قليلا ولا كثيرا إلا الله.

وهنا نبين معنى توحيد العبادة، ويسمى أيضا توحيد الالهية، وهو أن توحد الله بأفعالك أيها الإنسان بالا تدعو غيره، ولا تستعين بسواه، ولا تستغيث ولا تتوكل ولا تلجأ إلا إليه، فهذا معنى لا إله إلا الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله... الحديث

وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا}[البقرة:256].

فمن لم يكفر بالطاغوت، وهو عبادة غير الله، لا تصح له عبادة، قال تعالى: {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[الكافرون:1-3]، فنفى عنهم عبادة الله مع أنهم كانوا يحجون ويتصدقون ويدعون الله، بل ويوحدونه إذا مسهم الضر في البحر، ثم يشركون به في الرخاء، ونفى عنهم العبادة، لأن من أشرك مع الله شيئا بطلت عبادته، وردت عليه.

وفي الحديث القدسي: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، وفي رواية: أنا خير الشريكين.

وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى في سورة الأنعام: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}[الأنعام:136]. فالله لا يقبل الشركة في شيء من العبادات في صدقة أو نذر أو دعاء أو استغاثة أو غيرها، بل يترك ما جعل له للشريك الآخر.

فدعوة الحق تشمل التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، والناس في أشد الحاجة إلى من يتلطف بهم، إلى أن يخرج ما في قلوبهم من الشرك والكفر الناشئ عن الجهل، ويدخل فيها دعوة الحق، وهم أحوج إلى هذا منهم إلى الطعام والشراب والنفس، إذ لا يصلح لهم دين ولا دنيا إلا بالتوحيد، ولا يتمتعون بصحة عقل ولا جسم إلا بالتوحيد، ولا يحافظون على أعراضهم وأموالهم إلا بالتوحيد.

ومن توحيد العبادة جعل الحكم لله، فلا واجب إلا ما أوجبه، ولا محرم إلا ما حرمه، ولا مستحب إلا ما أحبه، ولا مكروه إلا ما كرهه، ولا مباح إلا ما أباحه، ولا واسطة في تبليغ ذلك إلا محمد رسول الله.

فمن كان من أهل العلم وجب عليه ألا يفتي ولا يقضي إلا بحكم الله آخذا من كتابه أو مما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحرم عليه أن يفتي أو يقضي بالتقليد، وإلا كان أحد القاضيين، وفي الحديث: قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق وحكم به فهو في الجنة، وقاض قضى بالجهل فهو في النار، وقاض عرف الحق وحكم بخلافه فهو في النار.

فالقاضي المقلد، والمفتي المقلد، ينطبق عليه الوعيد.

قال تعالى في سورة الشورى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[الشورى:10]، وهذه فكرة في سياق العموم، لا تترك حكما مما دق وجل إلا أتت عليه، فمن جعل الحكم لغير الله فقد أشرك، وجعل مع الله إلها آخر.

وفي الحديث أن عدي بن حاتم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد فر منه إلى الشام، ووفدت عليه أخته فأكرمها الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعنفته في هربه، وأشارت عليه بالتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء كان في عنقه (أي عنق عدي) صليب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ياعدي، ألق عنك هذا الوثن، ووجده يقرأ سورة براءة، حتى انتهى إلى قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ...}[الآية:31]، فقال: يارسول الله، إنا لم نكن نعبدهم، فقال: أليس كانوا يحلون لكم فتتبعونهم، ويحرمون عليكم فتتبعونهم؟ قال بلى، قال فتلك عبادتهم.

وأما من لم يكن من أهل العلم، فواجب عليه أن يسأل الأعلم الأروع الأتبع للسنة في اعتقاده عن حكم الله، فإذا قال له هذا حكم الله، أخذه وقد برئت ذمته.

وفي الحديث المرفوع: من أفتى بغير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه. وهذا توحيد الاتباع، وهو معنى [محمد رسول الله]، لأن الذي يقول: محمد رسول الله، قد أقر واعترف أنه لا يتبع إلا محمدا، ولا يهتدي إلا بهديه، ولا يستن إلا بسنته، ولا يتخذ واسطة بينه وبين الله يعرف به الهدى من الضلال غيره.

هذه إشارة إلى مبادئ دعوة الحق، وقد جعل الله سر الدعوة في المشافهة والمخاطبة، وإن كان في المطالعة والقراءة هدى وخير كثير، إلا أن الناس وخصوصا العامة لا يكادون يستغنون عن الداعي المرشد الذي يتلو عليهم كتاب الله وسيرة رسوله وسننه، ويشرح ذلك لهم، فيفتح الله به عيونا عميا وآذانا صما

وقد اعترف أحد من زار المغرب من أهل المشرق- مع أنه ليس من المستمسكين بالدين- أن هذا الفتح المبين الذي فتح الله للمغاربة في مدة سنتين اثنتين، فأراح عنهم عذاب الاستعمار، وبسط عليهم ثوب الحرية، ورد عليهم ملكهم وإمامهم، لم يقع مثله لشعب عربي ولا عجمي سواهم، قال: ولا نجد لذلك علة إلا التمسك بالدين.

هكذا قال في محاضرة سمعها خلق كثير في بغداد، وأنا أقول مع موافقتي لهذا المحاضر: إن الوثبة التي وثبها ملك المغرب سيدي محمد الخامس هي وثبة محمدية حنيفية، فاقتفوا أثره، واقتدوا به في الجهاد، فكشف الله عنهم العذاب، وهم في أشد الحاجة إلى من ينور بصائرهم ويفتح لهم مددا لا ينضب معينه، وذلك هو كتاب الله وحديث الرسول، فتحا يؤلف بين قلوبهم ويزيل أضغانهم ويجمعهم على طاعة الله وطاعة رسوله، وطاعة هذا الإمام الذي ولاه الله أمرهم، وبذلك يشكرون نعمة الله فيزيدهم وتتكاثر عليهم النعم، ويكونون قدوة لغيرهم من المسلمين.

وفي الختام نسأل الله أن ينصر الإمام محمدا الخامس، وسائر المجاهدين في سبيل الله من الأئمة والأتباع، وأن يكشف العذاب عن أهل الجزائر وأهل فلسطين وأهل عمان، وسائر المستضعفين من المسلمين وغيرهم، ممن لا يحارب دين الإسلام، وأن يؤيد بروح منه ولي عهده وقائد جنده مولاي الحسن، ويختم للجميع خير ختام.

مجلة (دعوة الحق): السنة الأولى العدد 4-5 – ربيع الثاني 1377 هـ، نونبر 1957م