بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم

محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ تقي الدين الهلالي على طلبة الجامعة الإسلامية:

الرجعية في نظر الدول التي لا تدين بدين:

عبرت بالدول ولم أعبر بالشعوب، لأنّ حرية الفرد في شعوبها أمر مستهجن لا قيمة له، فلا سبيل إلى معرفة مقدار تمسك شعوبها بالدين أو عدمه، فلا نستطيع أن نحكم على حكامه فهم يزعمون أنّ الدين (أفيون) الشعوب؛ قالوا: "لأنّ الدين شيء لا تفهمه العامة فهو منحصر في رؤساء الكنائس وهؤلاء الرؤساء يستحوذون على الشعب بالترغيب والترهيب، ويتصرفون فيه وفي رؤسائه وأمرائه وسوقته حسب أهوائهم ويوجهونه إلى أي وجهة شاءوا كما تسوق الرعاة الأغنام".


ولو أنّ هؤلاء الحكام طالبوا بالتحرير من سلطان رجال الكنيسة ليختار الشعب الوجهة التي يريدها في عقيدته ونظامه وحكمه وعلمه ومعيشته وتعليمه وشؤونه الاجتماعية كما فعل الخارجون على الكنيسة البابوية لربما كان قولهم مفهوما؛ ولكنهم يدعون إلى محو سلطان الكنيسة الذي يخوف الناس بعذاب الله ويبشرهم بالسعادة الروحية بعد الموت، ليقيموا بدله سلطاننا ماديا تحت لمعان السيوف والنفي والقتل والتعذيب وكتم الأنفاس وكبت الحريات ومضايقة الناس في أرزاقهم وأعمالهم وتعليمهم ومساكنهم وأطعمتهم وإقامتهم.

والطامة الكبرى أنّهم يفرضون عليهم دينا آخر وعقيدة أخرى لا يقولون لهم أنها جاءت من الله ولا من الرسل ولا من الأنبياء، ولكن من أشخاص مثلهم من أبناء جلدتهم ومن يتجرأ على رفض شيء من تلك العقائد فالويل له ماذا ينتظره من العذاب المهين أو الموت الزؤام فهم ينقلونهم من ضيق إلى أضيق ومن دين غير مفهوم بادعائهم إلى عقائد غير معقولة يجزمون ببطلانه ويكرهونها ولا يجدون عنها محيصا فهم كما قال الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار

وإن كان القسيسون يبشرون أتباعهم بنعيم الفردوس فتمتلئ أرواحهم سعادة وغبطة، ولا يأخذون من أموالهم إلاّ ما تبرعوا به عن طيب نفس؛ فإنّ الحكام التقدميين يسلبونهم كل شيء، ولا يبيحون لهم أن يملكوا شيئا: لا مسكنا، ولا حيوانا، ولا شبر أرض يزرعونه، ولا تجارة، ولا صناعة يستغلونها، ولا يتعلم الطلبة من العلوم إلا ما يشتهون أعني الحكام، ولا يلقي مدرسا درسا في علم من العلوم الاجتماعية أو يكتب كلمة في كتاب أو صحيفة أو رسالة في البريد، بل لا يتكلم بكلمة أمام رفاقه بل أمام أهل بيته إلاّ إذا وزنها بميزان الذهب خوفا من أن تكون مخالفة للتعليم والقوانين والعقائد الاشتراكية فتخطفه الزبانية.


وإذا أراد الحكام تسلية عامتهم وتبشيرهم حدثوهم بمتخيلات لا يمكنهم تصديقها أبدا يقولن لهم:


نحن الآن في البداية، وكل بداية صعبة كما يقول المثل الألماني، فاصبروا على قلة الغذاء، وضيق المسكن، وخشونة الملبس، وكثرة ساعات العمل وقسوته وصعوبته، فسيأتي زمان هو المقصود بالذات إن لم ندركه نحن فستدركه الأجيال المقبلة، وحينئذ لا يشتغل العامل إلاّ خمس ساعات في اليوم والليلة، ولا توضع أقفال على مخازن الطعام والثياب، وتكون الأموال مشاعة بين أبناء الشعب كل واحد يأخذ لنفسه منها ما شاء ويشتغل إذا شاء، وينام إذا شاء، ويسافر أين شاء، ويلبس ما شاء، ويركب ما شاء.


وهذا التبشير من السادة الحاكمين وأذنابهم وأبواقهم يجب على المحكومين وهم عامة الشعب أن يتلقوه بالتصفيق والهتاف والتمجيد، وإلاّ توجه إليهم تهمة خطيرة وهي الرجعية والبرجوازية والميل إلى الرأسمالية وما أشبه ذلك، ولو كان أولئك العامة يستطيعون التعبير عما في ضمائرهم لأنشدوا قول ابن فراس:

معللتي بالوصل والموت دونه *** إذا مت ظمآنا فلا نزل المطر

فالتقدم عند هؤلاء الحكام ينحصر في إمامين مقدسين معصومين من الخطأ، جميع آرائهما حق، وليس لأحد أن يفسر هذه الآراء إلا الحكام الحاضرون، ولو فرضنا أنّ هؤلاء الحكام استبدلوا بحكام آخرين لم يبق لهم صلاحية للتفسير، وما فسروه من قبل لا تلزمه العصمة من الخطأ، وقد ينسخ كله دفعة واحدة، والقول ما يقوله الحكام الحاضرون، وكل شيء يخالف آراء الإمامين حسب تفسير الحكام الحاضرين فهو رجعية تتنافى مع التقدم.


ولو فرضنا أنّ حاكما فسر شيئا من آراء الإمامين اليوم لوجب على الشعب كله بعلمائه وحكمائه وكتابه أن يتلقى تفسيره بالقبول والتقديس؛ وإلاّ كان رجعيا، وإن لم ينته يكون خائنا، فلو عزل ذلك الحاكم غدا لأصبح تفسيره عديم القيمة مرغوبا عنه، بل قد يكون منكرا وضلالا، وهذا كله شاهدناه بأعيننا وسمعناه بآذاننا، ولكننا لم نفهمه والله المستعان.


كنت في برلين الغربية أتيمم للصلاة، لأنّي كنت مريضا لا أقدر على استعمال الماء، فرآني شاب من برلين الشرقية، فقال لي: "ماذا تصنع؟" فقلت: "هو ما ترى"، فقال: "وهل هذا من الدين؟"، قلت: "نعم"؛ قال: "هذا شكلي لا معنى له ولا فائدة، أما الوضوء ففيه تنظيف للأعضاء المغسولة، وأما المسح بالتراب فليس فيه إلاّ التلويث".


فقلت: "سمعتك تذكر أن - ستالين - ألف كتابا في التربية وتثني على ذلك الكتاب مع أن ستالين رجل عسكري، قضى عمره كله في المراتب العسكرية، ولم نسمع أنّه كان يوما ما معلما ولا مدير مدرسة ولا مشتغلا بالتربية، فمن أين جاءه علم التربية حتى ألف فيه كتابا نفيسا!؟؛ فثناؤك عليه شكلي وتقليد، وإنما أثنيت على كتابه الذي ألفه في علم التربية لأنّه رئيس دولة وزعيم حزب، فشهادتك له تملق محض. أما معنى التيمم فهو معنى الصلاة، فإنّ الله غني عن العالمين،فإذا عظموه بالصلاة والدعاء والتمسح بالتراب فإنّما ذلك لتزكية نفوسهم وتكملتها".


وبعد موت ستالين أسقطه خلفه من درجة التقديس، وظهرت له ذنوب، وأخطاء كثيرة، وهذا الخلف نفسه شرب بالكأس نفسها.

وحاصل ما تقدم أن الدول التي لا تدين بالنصرانية تقدس نحلتها وتعدها تقدما، وتعد كل ما خالفها رجعية أو برجوازية، وتذم كل مخالف، ونحن لا نستطيع أن نفهم أن سويسرا مثلا رجعية أو ناقصة التقدم.
 
الرجعية عند الشعوب العربية في العصور الأخيرة:

اعلم أنّ العرب في هذا الزمان أعني دولتهم منقسمون إلى قسمين:


قسم يسمون أنفسهم تقدميين واشتراكيين فإذا قيل لهم: هذا لفظ مبهم، فأي اشتراكية تعنون؟ يقولون: نعني الاشتراكية العربية.

فيقال لهم: إن العرب كانوا بعد جاهليتهم لا يعرفون إلا الإسلام، ولا يدعون إلاّ إليه ولا يتبعون إلاّ القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ الاشتراكية غير موجود في الكتاب والسنة، ولم نر لهم تعريفا جامعا لهذه النحلة، ولا حدا يحد بها.

أما الأعمال التي يقومون بها  ويعلنون أنّها من مفاهيم الاشتراكية فإنهم يختلفون فيها، أما إن كانوا يعنون بالاشتراكية المستوردة من أوروبا ففي أوروبا نوعان من الاشتراكية:


الاشتراكية التي هي مقدمة الشيوعية، كما في شرق أوروبا وفي يوغوسلافية والصين ماعدا فرموزة وألبانيا والأحزاب الشيوعية في الشعوب الأوروبية.


والاشتراكية الديمقراطية: كاشتراكية حزب العمال في بريطانيا وألمانيا وبلجيك وفرنسا وغيرها.


وهناك اشتراكية انقرضت وهي الاشتراكية الوطنية  التي كان عليها هتلر وموسوليني، وأظن أن هذه الاشتراكية هي التي تلهج بها بعض الدول العربية فهي إلى اشتراكية هتلر أقرب وأشبه، مع فارق عظيم وهو أن الشعب الألماني الذي كان من وراء هتلر شعب عظيم في مقدمة شعوب الحضارة والعلم والمدنية العصرية، بخلاف شعوب تلك الدول؛ فإنها لم تبلغ في ذلك نصيبا يذكر، فهي مما يسمى على سبيل التفاؤل بالشعوب النامية، كما يسمى اللديغ سليما، ولذلك كان لاشتراكية هتلر نجاح مؤقت في جميع الميادين بخلاف هذه الدول فإننا إلى الآن لم نشاهد لها شيئا من النجاح الذي كان للحزب الناتسي، أما الحرية والديمقراطية بمعناهما الصحيح فإنّ نصيب هذه الدول منهما أقل من نصيب الحزب الناتسي.


والقسم الثاني: ممالك وإمارات وهذه الممالك والإمارات سائرة على ما كانت عليه من قبل لم تتخذ لنفسها اسما جديدا، وكلها تأخذ بأسباب الحضارة على حسب ما تسمح لها أحوالها ومقدراتها، وكلها تدعو إلى التعاون والتآخي بين العرب، ولا تنكر الوحدة إذا سارت في طريقها الطبيعي مرحلة بعد مرحلة، وإنما تنكر العدوان والتدخل في الشؤون الداخلية أن يقع من دولة في شؤون دولة أخرى، وهذا هو المعقول الممكن، على أنني لا اهتم كثيرا بهذه الوحدة إلا إذا كانت مبنية على قواعد الإسلام، وكذلك لا أهتم بالعرب إلاّ إذا كانوا مسلمين قولا وفعلا.


وآية ذلك أن يتبعوا القرآن وما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكونوا أمة واحدة كما كانوا في دولة النبي ودولة الخلفاء.


ولا فرق بين عربي و غير عربي عندما قال تعالى في سورة الحجرات: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، ولم يقل: وإن طائفتان من العرب اقتتلوا، ولا قال: إنّما العرب إخوة.


وليس مقصودي غمط حقوق الجماعات العربية التي تدين بالإسلام؛ فإنّ ذلك ظلم، والله لا يحب الظالمين، بل نعامل المواطنين من العرب غير المسلمين بالعدل والإحسان إلى أن يطمئنوا على حقوقهم ويثقوا بمواطنيهم المسلمين كل الثقة ويأمنوا بآرائهم؛ لأنّ الإسلام دين الرحمة والمحبة والعدل قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وبحكم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم يجب على أمته أن يكونوا رحمة للعالمين.


ثم إنّ للعرب غير المسلمين على العرب المسلمين حق القرابة وصلة الرحم، والمخالفة في الدين لا تسقط هذا الحق ولو طبق العرب المسلمين مع العرب غير المسلمين ما جاء به الإسلام لما احتاجوا إلى أن يوجسوا في أنفسهم خيفة أو يطلبوا حماية من الدول النصرانية الأجنبية، أو أن يؤلفوا أحزابا على أسس تنقض عرى الإسلام وتقضي على الإخوة الإسلامية ليشغلوا المسلمين بها ويشتتون شملهم ويفرقوا جمعهم كما هم الواقع في بعض الأقطار العربية، وهذه الدول التي تسمي نفسها تقدمية اشتراكية تظهر عداوة شديدة للمالك والإمارات لا لشيء إلاّ لأنها لم توافقها على مذهبها الجديد.


ومن عداوتها لها أنّها تسميها رجعية تريد أنها بمجرد تسميتها نفسها تقدمية واشتراكية وجدت طريق السعادة وسلكته، وهي تريد من تلك الممالك أن تجد هذا الطريق وتسلكه معها، فإن لم تفعل استحقت القطيعة والهجران والمكايد وتربص الدوائر زيادة على الشتائم التي تصب عليها ليل نهار.


وحجة هذه الممالك في رفضها لما عرض عليها من هذا المذهب الجديد أنّها ليست كاليتامى القاصرين أو الصبيان السفهاء حتى تطمع الدول الاشتراكية أن تضع نفسها في مقام الوصاية والتربية والتأديب والإشراف والنظر في مصالحها.


ثم إنّ هذه الممالك والإمارات لم تر شيئا من التقدم والتحسن على تلك الدول ولا على شعوبها بعد انتحالها للنحلة الجديدة، لا في العقائد، ولا في الأخلاق، ولا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في القوة الحربية، ولا في الروابط الاجتماعية، بل عكس ذلك هو الواقع، وهي مع ذلك تدعو إلى روابط الأخوة والصداقة، وتبادل المصالح والمنافع، وتنشد قول طرفة:


فمالي أراني وابن عمي مالكا *** متى أدن منه ينأى عني ويبعد

ولما كان الاستطراد من طبعي الذي لا أنفك عنه، وأعلم أنّ أكثر المستمعين يصعب عليهم فهم هذه الأبيات التي هي من الأدب الجاهلي العالي، أردت أن أشرحها لهم ليتمكنوا من فهما ويلتذوا بإنشادها.


يقول في هذا البيت: ما بال ابن عمي مالكا كلما أردت أن أتقرب إليه وأتودد إليه يجفوني ويبعد عني؟


وآيسني من لك خير طلبته *** كأنا وضعناه إلى رمس ملحـد

يقول: قنطني ابن عمي هذا من كل خير طلبته حتى كأنّه ميت لا يرجى خيره.


على غير شيء قلته غير أنـني *** نشدت ولم أغفل حمولة معبد

يقول: ثم إنّ الجفاء هذا الذي وقع من ابن عمي لم يكن له سبب فإنني لم أسيء إليه لا بقول ولا بفعل، ولكني طلبت إبل أخي معبد وبحثت عنها حتى وجدتها ولم أهملها، ولا يعقل أن يكون هذا سببا للعداوة والجفاء.


وقربت بالقربى وجدك أنه *** متى يك أمر للنكيثة أشهد

يقول: ولم أقصر في مراعاة واجبات، وأقسم بحظك وحقك أيها المخاطب أنّه لا يصيب ابن عمي أمر يجهده ويكربه إلاّ حضرت ونصرته ودافعت عنه.


وإن أدع للجلى أكن من حماتها *** وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد

يقول: متى دعوتني إلى الأمر العظيم الذي ينزل بك أبادر إلى حمايتك من مكروه وإن جاءك الأعداء يبغون قتالك بجهدهم وقوتهم أبذل كل جهد في دفعهم عنك.


وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم *** بشرب حياض الموت قبل التهدد

يقول: وإن طعن الأعداء في عرضك وأرادوا أن يخدشوا شرفك وأساءوا إليك بقول الفحش أذيقهم الموت وأباغتهم به قبل التهديد والوعيد، أو الإنذار والتحذير.


بلا حدث أحدثته وكمحدث *** هجائي وقذفي بالشكاة ومطرد

يقول: إن ابن عمي مالكا يعاملني بهذه المعاملة القاسية بدون ذنب فعلته كأنني مذنب فيهجوني ويذمني ويشكوني ويصيرني طريدا بعيدا.


فلو كان مولاي امرءا هو غيره *** لفرّج كربي أو لأنظرني غد

يقول: فلو كان ابن عمي رجلا آخر من أهل المروءة لكشف عني المكروه كما أكشفه عنه أو لأمهلني على الأقل إلى المستقبل حتى يتبين لي صدقي في مودتي ولم يقابل إحساني بالإساءة.


ولكن مولاي امرؤ هو خانقي *** على الشكر والتسآل أو أنا مفتدى

يقول: ولكن ابن عمي رجل يضيق علي مع شكري له والسعي في إرضائه وابتغاء الإحسان منه يعاملني معاملة العدو الذي يعمد إلى خنق عدوه إلاّ أن يفتدي نفسه بمال أو نحوه.


وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

والظلم وإن كان يؤلم من القريب والبعيد فإنّه من القريب أشد إيلاما وأكثر مرارة من الضرب من السيوف القواضب.


فذرني وخلقي أنني لك شاكر *** ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد

يقول: فاتركني يا ابن عمي على طبيعتي وحسن عشرتي فإني لا أقابل إساءتك بمثلها، وهذا هو الواجب عليك وسأشكرك عليه كأنه نعمة أسديتها إليّ، ولو كنت بعيد الديار أسكن في جبل ضرغد.


ألفاظ يتبجح بها كثير من الناس في هذا الزمان كالثورة والجمهورية والديمقراطية والحرية:

وقد شرحتها في مقال: (أيها العرب لا تتخذوا التفرقة وسيلة إلى الوحدة).


وقد نشر في صحف كثيرة منها مجلة البعث، ومجلة الإيمان المغربية؛ ولذلك لا أطيل القول في شرح هذه الألفاظ.


فالثورة:

هي خروج الشعب على حاكمه أو حكامه إذا أساءوا التصرف وجاروا و ظلموا، أو لم يكونوا أهلا للأمانة التي جعلت في أيديهم كما وقع في الثورة الفرنسية وفي ثورة سكان الولايات المتحدة الأمريكية على حكامهم البريطانيين؛ فإذا توفرت أسباب الثورة، وكان القائم بها هو الشعب، وكان قادتها مخلصين مصلحين لا يريدون بثورتهم رئاسة ولا مالا، وإنما يريدون رفع الجور وإزالة الفساد وتحرير الشعب، فإن الثورة يكتب لها النجاح وتؤتي أكلها.


أما إذا كان القائمون بها عصبة لهم مآرب وأغراض قد أوغر صدورهم الحسد وتراءت لهم الأماني فأوقدوا نيران الثورة وأعملوا السلاح في شعبهم وسفكوا الدماء ليتوصلوا للمراتب التي لم يزالوا يمتنونها؛ فقد يتفطن لهم القابضون على زمام الحكم ويخمدون أنفاسهم ويصيرون مسخرة للساخر ويخسرون كل شيء، وقد لا يتفطنون لهم فتنجح الثورة نجاحا مؤقتا إلى أن تسنح الفرصة لعصبة أخرى فيقبضوا عليهم ويسقونهم بالكأس التي سقوا بها غيرهم، فيقال فيهم ما قيل في أبي مسلم الخرساني:


ظـنـنـت أن الـــديــن لا يـقـتـضـــي *** فاســتـوف بالـكــيـل أبــا مجــرم
أشرب بكأس كنت أنت تسقي بها *** أمـــر في الحــلـق مـن العـلـقـم

ويستمتع أصحاب الثورة الثانية بالحكم ما شاء الله أن يستمتعوا حتى تتمكن منهم عصابة أخرى فتثب عليهم وثبة الأسد الذي كان مريضا فجاءه الثعلب بالحمار للمرة الثانية فلم يفلته وهكذا دواليك.


فبشر الشعب الذي أصيب بمثل هذه الثورات بعذاب أليم، ومن يمدح مثلها أو يتمنى حدوثها في وطنه فهو غاش لقومه ساع في هلاكهم.


الجمهورية:
أما الذين يمدحون الجمهورية لذاتها، فليسوا أقل ضلالا من الذين يمدحون الثورة لذاتها بقطع النظر عن العواقب والنتائج، إذا كان الشعب جاهلا منحطا في أخلاقه ليس له رابطة متينة تربط بين أفراده وطوائفه، قد ساد فيه الغش وقل فيه الإخلاص وخربت الذمم؛ فإنّ لا يصلح للحياة السعيدة لا بالنظام الملكي ولا بالنظام الجمهوري لأنّ الرؤساء الذين كانوا يحكمونه في العهد الملكي هم أنفسهم الذين يحكمونه في العهد الجمهوري؛ ولا يعقل أن يكونوا في العهد الملكي ذئابا يعيثون فسادا ثم ينقلبوا في العهد الجمهوري ملائكة أبرارا.

وأنا أظن أن الملكية إذا كانت ثابتة الأساس قد أذعن لها الشعب وانخرط في سلكها منذ زمان طويل، وكان ذلك الشعب منحطا في أخلاقه جاهلا أنّ الملكية خير له من الجمهورية، لأنّ الملك يجمع كلمته ويوحد صفوفه، ويحفظ أهله من أن يصيروا فوضى كغنم بلا راع.


أما إذا كان الشعب رشيدا، وكان رؤساؤه ذوي علم وحكمة ونزاهة وإخلاص وأخلاق سامية، فإنهم ينجحون، سواء أصاروا على النظام الملكي أم على النظام الجمهوري؛ والواقع يشهد بهذا.


فبريطانيا بنظامها الملكي تتمتع بسعادة اجتماعية ورفاهية واستقرار، تحسدها عليه كثير من الجمهوريات، ولا يفكر أحد من حكمائها وقادتها باستبدال النظام الملكي، والانتقال إلى الجمهورية، وهذا الرضا والاطمئنان لا يختص بالبريطانيين فقط، بل هناك شعوب راقية سعيدة في حياتها، ديمقراطية في سلوكها حرة في تصرفاتها قد ربطت مصيرها بهذه الدولة الملكية شعوب(كمونويلث) ككندا واستراليا ونيوزيلندا وغيرها ممن يدور في فلكها، وهناك ممالك أخرى قد ذكرتها من قبل في غاية الاستقرار والرفاهية.


ومن زعم أنّ الجمهورية مرغوبة لذاتها أو ضرورية لكل شعب فإنّ زعمه باطل لا يثبت أمام النقد إلاّ كما يثبت الثلج في السهول إذا أشرقت عليه شمس الربيع؛ إذا فالشأن كل الشأن أن يكون رؤساء الشعب علماء حكاما، مخلصين صالحين فعلى أي نظام كانوا فإنّهم يقودون سفينة شعبهم إلى شاطئ السلامة.


ونحن نرى الشعوب المختلفة في نظام الحكم متعاونة متصافية بغاية الإخلاص كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فقد مضى على تعاونهما في السلم والحرب زمن طويل، ولم تحاول إحداهما أن تقلب الأخرى إلى نظامها.


إذا فهذه الحزازات التي توجد في نفوس الحكومات العربية والجمهورية وما يعتريها من الاشمئزاز والكراهية للنظام الملكي حتى ربما أنّها تسعى في إسقاطه وتبالغ في شتمه وتصفه بالرجعية كل ذلك خطأ فاحش لم يعالجه طبيب ولا راق، والاستمرار فيه يتنافى مع المصلحة العامة لتلك الشعوب ويفضي إلى عواقب وخيمة.


الديمقراطية:
الإسلام نظام كفيل بسعادة كل من تمسك به من جماعات وأفراد ودول، ولا يحتاج أن يستعير من غيره شيئا، وهو لا يتفق مع نظام رأس المال، ولا مع الشيوعية، ولا مع الاشتراكيات بأنواعها.

وقد سبق إلى كل خير يوجد في هذه النظم، وتجنب كل شبر فيها، فإذا وصفت الأمة بأنها ديمقراطية فقد جهلتها وجهلت عليها؛ فالإسلام مبني على العدل والإحسان وفيهما سعادة البشر أجمعين.


أما دعاة الديمقراطية في هذا الزمان فإنهم يصفونها بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة الانتخاب العام، فكل جماعة من الناس تختار نائبا يمثلها أو ينوب عنها في مجلس يسمى: البرلمان؛ وهذا المجلس هو الذي يختار رئيس الوزراء ويعينه، ورئيس الوزراء يختار نوابه من أولئك النواب أو من غيرهم بموافقة المجلس، وكل فرد من أفراد الشعب له الحق أن ينتقد النواب والوزراء ورئيسهم في حدود القانون الذي يمنع التعدي والظلم، وهذا القانون يضعه علماء إختصاصيون ويقره المجلس.


قالوا: وهذا أرقى ما وصل إليه العقل البشري في الحرية والمساواة فكل من وقع عليه الظلم يستطيع أن يدفعه عنه بواسطة نائبه، وكذلك من تعسر عليه الوصول إلى حق يستعين بنائبه على الوصول إليه.


وحرية الاعتقاد والانتقاد في ضمن القانون وإبداء الرأي وسائر الحريات مكفولة فلا يعاقب أحد بحبس أو غرامة إلاّ إذا خالف القانون المتفق عليه.


وتوزع الحقوق والواجبات بالتساوي، فلا يعفى من الواجبات أحد كيف ما كان مركزه، فيكون كل فرد آمنا مطمئنا على نيل حقوقه لا يحتاج إلى تملق ولا تعلق، فلا يخاف الإنسان إلا مما قدمت يداه.


ومع هذا التحري كله فقد يقع الغش في الانتخاب، فإن مالك المزرعة ومالك المعمل إذا رشح نفسه للنيابة يشعر الفلاحون والمزارعون بأنّ من اللياقة أن ينتخبوا مالك مزرعتهم ويشعر العمال كذلك أنّه ينبغي عليهم أو يجب عليهم أن ينتخبوا مالك معملهم فيختل ميزان المساواة.


وهناك سبب آخر لامتعاض الناس في البلدان (الديمقراطية) وهو وجود الأحزاب المختلفة كالمحافظين والعمال والأحرار؛ فالمحافظون يرون إعطاء الحرية أفراد الشعب كيف ما كانت كسكك الحديد والمعدن والمصانع الكبرى ويقولون: إن ذلك هو الأصلح لشعبهم ليتنافس أفراده وجماعاته، كالشركات مثلا في العمل لتكثير المنتوجات واستثمار البلاد واستخراج كنوزها، وبذلك يقع الازدهار والتقدم في جميع الميادين.


ويقول العمال الاشتراكيون: إن البلاد كلها بثمراتها ومعادنها وكنوزها ملك للشعب كله؛ فيجب أن تكون منابع الثروة الكبرى في يد الحكومة لئلا يستولي عليها أفراد قليلون يحتكرونها ويستحوذون على الأرزاق خصوصا مع إباحة الربا فتصير جماهير الشعب الكادحة التي بعرق جبينها استخرجت تلك الأموال والأرزاق خدما وعبيدا لفئة قليلة من ذوي رؤوس الأموال المحتكرين.


وتتهم الأحزاب بعضها بعضا بعدم النزاهة في الانتخاب، ولكن لما كانت الأحزاب متعددة يكون من السهل على كل حزب أن يكتشف ويفضح دسائس الحزب الآخر، فيزول الحيف ويقع التوازن.


فحزب العمال يبذل جهده في تأميم المنابع الكبرى، وحزب المحافظين يبذل جهده في ترك الناس أحرارا في المضاربة والاستثمار، وكل منهما يرى أن وجهته أفضل لشعبه؛ وقد ساروا على هذا منذ زمان طويل ورضوا به واعتقدوا أنّه أفضل ما يقدم البشر عليه من العدالة.


وهناك استعمال آخر للديمقراطية وهو استعمالها لفظا مرادفا لاشتراكية الشيوعية، وهذا الاستعمال دعاية مجردة غير معقولة، لأنّ كل شعب يحكم بنظام الحزب الواحد لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، وحتى ذلك الحزب الواحد لم ينتخبه الشعب، وإنما طائفة تسلطت عليه بالقهر و الغلبة وأسرته واستعبدته شر استعباد وصارت تتكلم باسمه، وتستخدمه بلا رحمة ولا شفقة، وقد سبته جميع الحريات: حرية الكلام، حرية الاعتقاد، وحرية العمل وحرية الإضراب عن العمل وحرية المطالبة بزيادة الأجور، أو بزيادة الطعام أو الكسوة أو التدفئة، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما تقاسيه هذه الشعوب المخنوقة المستعمرة شر استعمار.


الحـريـة:
ومن العجب أنّ هؤلاء الجبابرة الذين يحكمون شعوبهم بالحديد والنار حكما كله دماء ودموع، وقهر وكبت، وإذلال وإهانة، ومع ذلك يتغنون بالديمقراطية والحرية وهم يعلمون أنهم أبعد الناس عن الحرية والديمقراطية، ولكن كما قيل في المثل وهو مأخوذ من الحديث الصحيح: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وعليه يقال: إذا لم تستح فقل ما شئت، ونظمه بعضهم فقال وأجاد:   

إذا لـم تخـش عاقـبة الليـالي *** ولـم تستح فاصنع ما تشـاء
فلا والله مـا في العيش خـيــر *** ولا الـدنيـا إذا ذهـب الحـيــاء

ومن أراد زيادة الاطلاع على ما كان عليه الأوروبيون إلى زمان قريب جدا من الانحطاط والهمجية، وما كان عليه المسلمون في الأندلس في زمن العلم والحضارة والرقي الحسي والمعنوي؛ فليقرأ كتاب: (مدنية العرب في الأندلس)، الذي ترجمه كاتب هذه المحاضرة بالعربية لمؤلفه الذائع الصيت (جوزيف مكيب)، ولا تزال عندي منه بعض مئات، وهذا ما بدا لي إيراده في بيان ما يسمى بالرجعية والتقدم، كتبته تبصرة لإخواننا المسلمين الذين لا يعرفون ما ينطوي تحت هاتين الكلمتين من الغش والتضليل؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 
إستدراك:
لما فرغ القارئ من قراءة محاضرتي، قام صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العربي الموفق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله فأشار بتلطفه المعهود وأدبه السامي إلى أنّه قد يفهم مما قلته في عموم المسلمين الذين يعملون السيئات وغيرها كالحكم بغير ما أنزل الله، وقد عذبهم الله في الدنيا كما أوعدهم في كتابه وسيعذبهم في الآخرة أكثر مما عذبهم في الدنيا، ولم أستثن في ذلك شعبا من الشعوب ولا دولة من الدول حتى كأنهم متساوون في الجريمة.

وكان ينبغي لي أن استثني من قام منهم بشيء من الواجب على قدر استطاعته؛ وهذا حق فإن الشعب السعودي والمملكة السعودية بقيادة ملكها الإمام المصلح جلالة الملك فيصل والأئمة السابقين من أسلافه رحمهم الله لم يزالوا يحكمون شريعة الله، ويتخذون القرآن إماما والسنة سراجا، يضيئان لهم ظلمات الحياة الدنيا بانتشار الأمن على الأنفس والأموال والأعراض في بلادهم إلى حد لا يوجد له نظير في الدنيا، حتى إني لما كنت في ألمانيا قبل الحرب وقبل تقسيمها وهي في عنفوان قوتها، وحدثت الناس هناك بالأمن الذي يتمتع به سكان المملكة السعودية تفصيلا سألوني: أين يتخرج رجال شرطة هذه المملكة رؤساؤها؟ فقلت: يتخرجون في مدرسة القرآن في المسجد؛ فأبدوا شكهم في ما أخبرتهم به، وقالوا: لا يوجد في الدنيا أحسن من الشرطة الألمانية ومع ذلك لا يوجد عندنا مثل ما ذكرت من الأمن!


وهذا الثواب المعجل في الدنيا يدل دلالة قطعية على أنّ الله الذي لا يخلف الميعاد سيثيب إمام هذه الدولة وأسلافه ورجال دولته وأعوانه المخلصين في الدار الدنيا كما قال تعالى في سورة النحل30: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ}.


وأشهد بالله أني لما دعاني سمو الأمير مساعد بن عبد الرحمن إلى الحج سنة سبع وخمسين بتاريخ النصارى، وأظنه يوافق سنة ست وسبعين للهجرة، كنت راكبا في طائرة سويسرية من بغداد إلى الظهران، وكانت المضيفة من القسم المتكلم بالألمانية من سويسرا؛ فأخذت تدور على ركاب الطائرة، لما أرادت أن تدخل في سماء المملكة العربية السعودية وتقول لهم لا يطلب أحد منكم خمرا حتى نجتاز المملكة السعودية، ولا يجوز لأحد منكم أن يمسك زجاجة خمر ولو فارغة؛ فإنّ الحكومة السعودية تعاقبنا على ذلك، وتكلمت معي باللغة الألمانية لأنها عرفت من قبل أني أتكلم بها، وشرحت لي خوف قائد الطائرة وجميع الموظفين من رجال المملكة السعودية، وأنهم لا يتساهلون مع أي طائرة يجدون فيها شرابا مسكرا ظاهرا؛ قالت: فنحن نخبئ جميع الأشربة المسكرة حتى القوارير الفارغة إلى أن نخرج من هذه المملكة، فأخبرتها أني مسلم وأن عقيدتي والحمد لله مطابقة لهذا الحكم، وأنا أحمد الله على وجود مملكة في الدنيا تنفذ هذا الحكم.


ونحن نشاهد شريعة القرآن تنفذ على رؤوس الأشهاد، في هذه المملكة الفذة، فيقتل القاتل المتعمد، ويرجم من الزناة من يستحق الرجم، ويجلد من يستحق الجلد مع التغريب، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على الشارب، ولا يحكم حاكم في جميع أرجائه إلاّ بشريعة القرآن، فكيف يستطيع مسلم أو منصف أن يسوي بينهما وبين من يحل ما حرم الله، ويحكم بغير ما أنزل الله.


نعم إنّ أشباه القردة من المقلدين لمن يسمونهم بالمستعمرين ويسلقونهم بألسن حداد ليل نهار في إذاعاتهم وصحفهم هؤلاء القردة يسمون شريعة الله ورسوله التي سار عليها المسلمون حين كانوا سادة العالم، يسمونها: رجعية، ويسمون المنفذين لها - أيده الله بروح منه -: رجعيين؛ وقد تقدم جوابهم أعلاه في هذه المحاضرة بما يلقمهم الأحجار، ولا يدع لهم مجالا للفرار؛ وإني لأشكر صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على هذا التنبيه الذي تفضل به، فلا زال مصدرا لكل خير وكمال.


مجلة الجامعة الإسلامية، عدد 6 ص 11-22، شوال 1389هـ